وُلد الأديب والعالم عبد القدوس بن قاسم بن محمد بن محمد الأنصاري الخزرجي في مدينة المدينة المنورة عام 1324هـ / 1906م، في بيئة علمٍ وأصالةٍ ضاربة الجذور في تراثها الديني والثقافي.
نشأ بين أروقة المسجد النبوي الشريف، حيث نهل من معين العلم على يد نخبةٍ من علماء المدينة، وفي مقدمتهم خاله وابن عمه الشيخ محمد الطيب الأنصاري، فكان لذلك أثرٌ بالغ في تكوين شخصيته العلمية والأدبية.
التحق الأنصاري بـ مدرسة العلوم الشرعية، إحدى أوائل المدارس النظامية في المدينة، والتي أسسها السيد أحمد الفيض آبادي، ونال شهادتها عام 1346هـ.
ولم يلبث أن أصبح أستاذًا للأدب العربي في المدرسة ذاتها، تلبيةً لرغبة مؤسسها، بعد أن عمل في إمارة المدينة المنورة. وفي مسيرةٍ حافلة بالإنجاز، انتقل الأنصاري إلى مكة المكرمة ليشغل منصب رئيس تحرير صحيفة أم القرى بقرارٍ من الملك عبد العزيز آل سعود – طيب الله ثراه – ثم إلى مدينة جدة حيث التحق بـ ديوان سمو ولي العهد الأمير فيصل بن عبد العزيز، وبقي فيه حتى عام 1386هـ، حين قرر التفرغ لإدارة مجلة المنهل والتأليف والبحث العلمي.
كان الأنصاري رائد الأدب الروائي في المملكة العربية السعودية، إذ أصدر روايته الشهيرة “التوأمان” عام 1349هـ / 1930م، لتكون باكورة الأدب القصصي السعودي. كما كان أول من كتب عن الآثار في المملكة في كتابه “آثار المدينة المنورة” عام 1353هـ، وأول من أنشأ مجلة أدبية ثقافية سعودية، هي مجلة المنهل عام 1937م، التي أصبحت منارة للفكر والأدب العربي لأكثر من ثمانين عامًا.
ولم يتوقف عطاؤه عند حدود الكتابة والتحرير، بل كان من أوائل من أسسوا النوادي الأدبية في المملكة، إذ أنشأ نادي الحفل الأدبي للشباب السعودي المتعلم في المدينة المنورة عام 1355هـ.
وحين استقر في جدة عام 1361هـ، غدا مؤرخ المدينة بامتياز، بفضل موسوعته الخالدة “تاريخ مدينة جدة”، إلى جانب أكثر من عشرين مؤلفًا متنوعًا بين الأدب والتاريخ واللغة والآثار. تميّز الأنصاري بإسهاماته الواسعة في الصحافة العربية، فكانت له مشاركات في كبريات الصحف والمجلات في مصر وسوريا وغيرها، عكست سعة معرفته وعمق فكره الأدبي والعلمي. وقد حظي بتكريمٍ واسع في حياته وبعد وفاته، إذ نال جائزة مؤتمر الأدباء السعوديين الأول الذي نظمته جامعة الملك عبد العزيز عام 1394هـ، واختاره نادي المدينة المنورة الأدبي في ملتقى العقيق الأول كأول رائدٍ يُكرَّم في الملتقى، كما كان أول المُكرَّمين في منتدى الاثنينية للشيخ عبد المقصود خوجه في جدة. نال تقدير المؤسسات الثقافية والعلمية على مستوى الوطن العربي، فكان عضوًا في المجمع العلمي العراقي ببغداد، ومشاركًا فاعلًا في مؤتمرات أدبية وعلمية في المملكة والخليج والعالم العربي.
وخلّد عدد من الأدباء سيرته في كتبٍ تناولت حياته وإبداعه، منها:
• عبد القدوس الأنصاري: حياته وأدبه – تأليف نبيل المحيش
• عبد القدوس الأنصاري شاعرًا – تأليف عبد الله باقازي
• عبد القدوس الأنصاري من رواد الأدب والفكر العربي الإسلامي – تأليف أكرم جميل قنبس
• عبد القدوس الأنصاري: إسهاماته العلمية – إصدار النادي الأدبي بمنتدى وادي العقيق للكاتبين محمد الدبيس وعيد الحجيلي.
لقد ترك الأنصاري بصمة خالدة في المشهد الأدبي والعلمي والثقافي السعودي والعربي والإسلامي، بوضوحٍ لا يخفى على كل باحثٍ أو قارئٍ منصف. وبعد رحلةٍ حافلةٍ بالعطاء، توفي في مدينة جدة عام 1403هـ / 1983م، وصُلي عليه في الحرم المكي الشريف، ودُفن في مقبرة المعلاة بمكة المكرمة، تاركًا وراءه إرثًا فكريًا خالدًا ومجدًا أدبيًا يضيء صفحات التاريخ الثقافي للمملكة.