في ذكرى الانصاري التاسعة الوزير الاديب الشاعر حسين عرب ذكرى وفاة أستاذنا عبد القدوس الانصاري تستدعى وقفة تأمل من كل كاتب وأديب ومفكر للنظر في حياة هذا الرجل العظيم المتعدد المواهب والذي أسهم في كل ناحية من نواحي العلوم والفنون بكفاءة وجلد ودأب يغبط عليها قليل من الرجال والمثقفين الذين واصلوا حياتهم منذ البداية الى النهاية في خدمة العلم والأدب والثقافة بتجرد وإخلاص نادرين لا سيما إذا علمنا أنه ليس له مردود مادي مقابل هذا العمل بل هي رغبة وحسبة وأمانة وإخلاص ... لقد واصل الاستاذ عبد القدوس الانصاري رحمة الله عليه أعماله هذه من منطلق الصفر. ومعروف أن مثل إنشاء هذه المجلات الادبية لم تكن الساحة مستعدة لاستيعابها مما أدى الى إغفال بعض المجلات التي سبقته أو عاصرته ومنها على سبيل المثال المجلة الاسلامية ومجلة الاصلاح وغيرها وقد كانت الأولى تصدر من أحد المتعلمين والثانية تصدر من هيئة رسمية ولكنهما لم تستطيعا الثبات رغم ما توفر لهما من دعم مادي.. أما فضيلة الاستاذ الانصاري فقد استمر في أداء هذا العمل الذي اعتبره واجباً وبذل النفس والنفيس في استمرار صدور المجلة حتى وصلت إلى المكانة التي تحتلها الآن بين المجلات العربية والاسلامية فهي تمثل الاصالة والعمق والتجديد في الميدان الأدبي والثقافي.. هذا ما يختص بمجلة المنهل. أما ما يختص بمؤلفاته الأخرى سواء أكانت قصصية أو تاريخية أو لغوية أو شعرية أو غير ذلك فكلها تعتبر من غرر المؤلفات التي صدرت في موضوعاتها ولأن الله تعالى بارك في وقت هذا الرجل وعمله انتفع بثقافته كثير من الأدباء الناشئين في ذلك الوقت وأنا أحدهم وكثير من زملائي الذين كنا نحرص على قراءة ما يجود به قلم الأستاذ العظيم. لقد تجاوزت المجلة والمؤلفات الانصارية المجال الاقليمي إلى غيره من مجال عربي وغربي حتى أصبحت محل بحث ودرس يمثل مراجع البحوث ودراسات كثير من المثقفين من حملة الماجستير والدكتوراه. على العموم فقد كان الاستاذ رحمه الله لا أجاوز الصواب اذا قلت إنه فريد عصره وقد كان كأنه علم في رأسه نار يستفيد منه القريب والبعيد والصديق والعدو وكان يواصل مسيرته بجد وداب وكثيرا ما اعترضته مشاكل قد تعوق غيره عن الاستمرار ولكنه تجاوزها بجلده وصبره وإخلاصه حتى وصل إلى القمة الذي هو جدير بها بين المثقفين . لا نملك في هذه العجالة إلا أن نسأل الله القدير البركة في نجله الاستاذ نبيه وأحفاده وأن يمدهم بقوة المواصلة هذه المسيرة الثقافية وأن يغمر الفقيد برحمته ورضوانه إزاء ما قدم من جهد لم يرد منه إلا وجه الله أولا وبث روح العلم وإشاعة المعرفة لكل من يستحقها.. أسكنه الله في جناته وأسبغ عليه شآبيب رحمته والحمد لله رب العالمين. وكتب محمد عمر العامودي» يقول: كان على خصام دائم مع المصطلحات الأجنبية والرموز الدخيلة، وإذا كان سيبويه» - كما يروى - مات وفي نفسه شيء من حتى، فالأستاذ عبد القدوس» مات وفي نفسه شيء من أشياء كثيرة، يرى أنها اخترقت جدار اللغة العربية، فقد كان لا يروقه أن تستعمل كلمة (تليفون) مع وجود كلمة هاتف في اللغة العربية. كان حبه للغة العربية تعصباً، وتعنصره للأدب العربي كبيراً. حتى إنه كان يقول: إن الأدب العربي وحده يغنينا عن الأدب الغربي.... وكانت تحرجني معاملته الرقيقة وأدبه الجم، فإذا صدر له كتاب جديد حمله بنفسه إلى منزلي ليقدمه لي، وإذا دعا إلى وليمة جاء بنفسه ليبلغني إياها. لقد كان الأمير ماجد بن عبد العزيز على حق، حين قال لي يوم وفاته: «لقد شعرت بحزن كبير لفقده ... لقد كان وقاره يبهرني، وكانت أخلاقه تأسرني...... وكتبت د. فاتنة أمين شاكر» تقول: >>شتان الفارق بينكم وبيننا، بين جيلكم وجيلنا، فأنتم أعمدة بناء. أنتم حياة متواصلة من العزيمة والكفاءة والعطاء. أنتم - أيها العلامة الجليل - جمعتم بين روح الأدب وفكر العلم. فوجدت في أعمالك إثراء ما بعده إثراء. بفكر العلم حرصت على تصوير ملامح حياتنا الفكرية والأدبية والجغرافية والاجتماعية. ولم تكن مجرد (سائح) يحمل آلة تصوير. بل كنت عيناً متفحصة، وفكراً مشدوداً المستقبل، عرفت جيداً، أنه سيحتاج يوماً ما إلى معرفة شاملة عن ملامح المجتمعة، وشحها الحاضر برداء النسيان..<<. وكتب «عبد الله الحقيل» يقول: «إن ما تركه عبد القدوس الأنصاري من أدب وثقافة ومؤلفات ومحلة سيظل إرثاً باقياً خالداً، يشهد على ما بذله من جهد وعطاء وعمل ودأب وصبر ... إن بلادنا فقدت بفقد الأستاذ الأنصاري أحد رواد الثقافة والأدب الكبار الذين لهم في كل محال من ذلك آثار نافعة ...» ١٦ حُطام القيثارة الشاعر: طاهر زمخشري سوف يبقى على الحياة مناراً مشرقاً يملأ الـــــدني أنـــــواراً خط للمجد بالمحامد سفراً كل ســـطر قد خلد الآثــــــارا وهي كانت صوى بدرب المجلين شــــافوا بـــــالضوء منها المسارا يتبارون بالمعارج صعداً كـــــلهم يطلب العــــلاء مدارا شاهداً أن عبد القدوس» كان لها الر ائــــد بــل كان قائداً ومنـــــارا بصرير اليراع يغزو سواد الليـــ ـــل، يصطاد بالــــحجى الأفكـارا خطوه في الحياة لم يعرف الـــ ـــكبوة لا .. بل لم يلاق العثارا قطع العمر جاهداً يحصد الفكر وأبقاه للــــــورى تذكـــــارا فسل المنهل الذي كان نبعاً دافقاً بــــالرواء بــــزّ البحـــــارا عذبُـه سلسل يفيض صفاءً كم هدى بالشّــــعاع منه الحيـــارى أبا نبيه لك الغفران الشاعر الرائد: محمد بن علي السنوسي يا صاحب القلم المتألق السامي ويا أبا المنهل المتدفق الطامي لقد تقطعت لما جاءني خبر كالضرب بالسيف من خلفي وقدامي فَرُحْتُ أغُمرو إحساسي وأُغْرِقــه في لُجــّة من أسى قلبي وآلامـــي وأستعين بإيماني على نبــــأ تمزقت منه نفسي في أسى دامي وأستعيد شريطاً من صداقتها كأنها عزف أوتار وأنغام أيام ألقاك في ناديك معتكفاً على المجلة في يُسر وإعــدام تُشَذِّب الروض أغصاناً وتسنده إلى الأصالة في فن وإحكام أبا نبيه لك الغفران ما سطعت شمس الضحى وتوارت خلف إظلام دمعة وفاء على فقد العالم الجليل الشاعر أحمد عبد السلام غالي منهل غاض بعدما كان ثرا قلت: عبد القدوس ودع عمرا كان ما بيننا حياة، وأضفى حوله من حلاوة الطبع بشرا كان مهوى العيون، مَنْ لعُيون فقدته، فأرخت الدمع حرى شدها نحوه وقار مهيب فأهابت بالعقل ينشد فكرا كان كالروض حيث يزدهر الخـــصب ويعطي، وكان في الجود بحرا جاد بالفكر نيرا، فتق الوعــــ ــــي، وأحيا الآداب عرضاً ونشرا عالم، فاضل، أديب، وجيهٌ خصه الله بالمكارم قدرا رائد الجيل كم سهرت وضحٌيت ليسمو جيل وينشر ذكرا أنت من أمة الوفاء فطوبي لو في غذّى الفضائل حُرا ما عرفناك بين قومك إلا أسوة تملأ المحافل عطرا كم جعلت التاريخ ينبض حُباً بعدما زدته وعمقت مجرى أنت من نخبة أفاء بها الله علينا تخط للمجد سفرا يا نصير الهدى وأنصار دين الله يلقون في رضى الله أجرا في رحاب الجنان ترفل تيها وتؤدي لبارئ الخلق شكرا