ذكرى وفاة أستاذنا عبد القدوس الانصاري تستدعى وقفة تأمل من كل كاتب وأديب ومفكر للنظر في حياة هذا الرجل العظيم المتعدد المواهب والذي أسهم في كل ناحية من نواحي العلوم والفنون بكفاءة وجلد ودأب يغبط عليها قليل من الرجال والمثقفين الذين واصلوا حياتهم منذ البداية الى النهاية في خدمة العلم والأدب والثقافة بتجرد وإخلاص نادرين لا سيما إذا علمنا أنه ليس له مردود مادي مقابل هذا العمل بل هي رغبة وحسبة وأمانة وإخلاص ... لقد واصل الاستاذ عبد القدوس الانصاري رحمة الله عليه أعماله هذه من منطلق الصفر. ومعروف أن مثل إنشاء هذه المجلات الادبية لم تكن الساحة مستعدة لاستيعابها مما أدى الى إغفال بعض المجلات التي سبقته أو عاصرته ومنها على سبيل المثال المجلة الاسلامية ومجلة الاصلاح وغيرها وقد كانت الأولى تصدر من أحد المتعلمين والثانية تصدر من هيئة رسمية ولكنهما لم تستطيعا الثبات رغم ما توفر لهما من دعم مادي.. أما فضيلة الاستاذ الانصاري فقد استمر في أداء هذا العمل الذي اعتبره واجباً وبذل النفس والنفيس في استمرار صدور المجلة حتى وصلت إلى المكانة التي تحتلها الآن بين المجلات العربية والاسلامية فهي تمثل الاصالة والعمق والتجديد في الميدان الأدبي والثقافي.. هذا ما يختص بمجلة المنهل. أما ما يختص بمؤلفاته الأخرى سواء أكانت قصصية أو تاريخية أو لغوية أو شعرية أو غير ذلك فكلها تعتبر من غرر المؤلفات التي صدرت في موضوعاتها ولأن الله تعالى بارك في وقت هذا الرجل وعمله انتفع بثقافته كثير من الأدباء الناشئين في ذلك الوقت وأنا أحدهم وكثير من زملائي الذين كنا نحرص على قراءة ما يجود به قلم الأستاذ العظيم. لقد تجاوزت المجلة والمؤلفات الانصارية المجال الاقليمي إلى غيره من مجال عربي وغربي حتى أصبحت محل بحث ودرس يمثل مراجع البحوث ودراسات كثير من المثقفين من حملة الماجستير والدكتوراه. على العموم فقد كان الاستاذ رحمه الله لا أجاوز الصواب اذا قلت إنه فريد عصره وقد كان كأنه علم في رأسه نار يستفيد منه القريب والبعيد والصديق والعدو وكان يواصل مسيرته بجد وداب وكثيرا ما اعترضته مشاكل قد تعوق غيره عن الاستمرار ولكنه تجاوزها بجلده وصبره وإخلاصه حتى وصل إلى القمة الذي هو جدير بها بين المثقفين . لا نملك في هذه العجالة إلا أن نسأل الله القدير البركة في نجله الاستاذ نبيه وأحفاده وأن يمدهم بقوة المواصلة هذه المسيرة الثقافية وأن يغمر الفقيد برحمته ورضوانه إزاء ما قدم من جهد لم يرد منه إلا وجه الله أولا وبث روح العلم وإشاعة المعرفة لكل من يستحقها.. أسكنه الله في جناته وأسبغ عليه شآبيب رحمته والحمد لله رب العالمين.