قصائد

Poem Image

ذكريات طفل يتيم

كان قد بلغ سن الخامسة من العمر حينما ذهب والده عشاء الى المسجد النبوي ليصلي به صلاة العشاء مع الجماعة.. وقد مكث مليا لا ينام في انتظار اياب والده.. ولما طال به الوقت طرقته هواجس غامضة حيال هذا الغياب الذي لم يسبقه غياب مماثل.. وفتح عينيه في الصباح متلهفا على مشاهدة والده في مقر نومه من البيت، ولكنه لم يره.. لقد خاب أمله في هذا أيضا.. وسأل بعض من يكبره في السن فلم يحر جوابا، فزاد ارتباكه وازدادت وساوسه وهواجسه ولكنه تشجع وتقدم الى بعض كبار السن يسألهم عن والده لماذا لم يعد الى المنزل من البارحة، فما حصل على جواب مقنع.. وحدثه بعضهم بأنه لا يزال بالمسجد النبوي منذ الليلة البارحة.. فذهب الى المسجد يفتش جوانبه فعاد بخفي حنين. وهكذا تراكمت عليه الهواجس وساورته الظنون واختلط عليه الحابل بالنابل وزاد الطينة بلة أن ذهنه الصغير لم يستطع أن يدرك حقيقة ما كان يخشاه في نظره على أبيه في غيابه الطويل. وفي ومضة من ومضات الفكر الصغير تذكر أن والدته قد ذهبت هي الأخرى من المدينة الى القطر المصري في رحلة استشفاء فلم تعد هي الأخرى من هنالك وكان والده أخبره بأنها لقيت حتفها في القطر المصري بعد علاج طويل في أحد مشافي الاسكندرية وقال له: إنهم دفنوها في مقبرة سيدي جابر هنالك.. فتوجس خيفة من أن يكون والده قد ذهب الى غير رجعة كأمه ... وهاله أن يبقى يتيما مجردا من حنان الاب والام.. ولم يعلم أن أباه كان قد جعل خاله وصيا عليه، وصيا رقيقا به عطوفا عليه، ليقوم بتربيته وتغذيته وتعليمه حتى يصير رجلا سويا إن عقله الصغير المحدود لم يرتفع الى مستوى إدراك هذه الحقيقة التي كانت منه قاب قوسين. وقد بقى على أوهامه وتخيلاته حيال عودة أبيه ذات يوم اليه، حتى مضى ردح من الزمن ودخل سن السادسة فبدأ شعور جديد يتسرب الى ذهنه بحقيقة الواقع المرير. وكان في كثير من الاحيان ينتابه شعور غریب جارف حيال وضعه ويتمه من الوالدين معا، فيسلم عينيه الدموع تتهاطل بغزارة وحرارة، وما تزال كذلك حتى يشعر بشيء من راحة الضمير فيمسح عن عينيه تلك الدموع ويجففها ويخرج الى الناس من مخبئه المتنقل.. حائرا منغصا لا يعجبه شيء من الحياة. وفي ذات يوم تراكمت عليه هذه الهموم، استدعاه خاله الوصي عليه من قبل أبيه، وقربه اليه نجيا، وحدثه حديثا عذبا رقيقا خالط تأثيره فؤاده الصغير. قال له: يا بنى سأخبرك بالحقيقة ان أباك قد ذهب الى رحمة الله.. وأنا في مقام والدك.. سأكون كافلك ومربيك ومعلمك وسأوفر لك كل ما يسرك حاضرا ومستقبلا فلا تبتئس وكن إنسانا عاقلا ورشيدا، وأن والدك رحمه الله قد خلف لك شيئا طيبا من المال وسأكلف عمك موسى بالإشراف من كتب على شؤونك بصفة موقوتة وسأعين لك خادما هو تلميذي محمد الصالح الذي كان يخدم والدك.. فكن مطمئنا فأنت إن شاء الله بخير وفير.. ونزلت هذه الكلمات الطيبة بلسماً شافياً وترياقاً قوى المفعول على قلب الطفل الصغير الذي بدأ سنه يتقدم الى السابعة.. وسلم الأمر لله واقتنع تماما بأن له أبا ثانيا كريما عطوفا سيقوم بكل لوازم حياته بصورة ان لم تكن صورة والده فهي لا تقل مطلقا عنها بل ربما تفوقها عطفا وحنانا وتكريما. وقد وفى الشيخ محمد الطيب الانصاري بوعده كل الوفاء فكان نعم الوالد ونعم الوصي المربي، ونعم الكافل والموجه والمعلم ومن يومئذ لازمه الفتى ملازمة الظل لا يريم عنه حولا لا في داره ولا في المسجد النبوي ولا أين ذهب أو حل، لازمه وأحبه حبا جما لا يدانيه حب فقد وجد منه كل وسائل الراحة والتربية المنشودة والتعليم المخلص والكفالة البناءة. وكانت الحرب العالمية الأولى قد بدأت رحاها تدور وهو في السابعة من العمر فكانت ضغثا على ابالة.. لقد تشتت الناس وذهبوا الى كل جهة وشاهد الصبي ما يجرى.. ومرت سنوات تلك الحرب الضروس كالحة عابسة مرهقة فقد بدأت الارزاق تشحو بدأت المدينة تصفى من سكانها شيئا فشيئا.. وبدأ الخط الحديدي ينقل الناس منها صوب ديار الشام زرافات ووحدانا، فكان كل يوم يأتي ينقص عدد السكان بالمدينة ليرتفع عددهم بالشمال، وظل الشيخ متشبثا بالبقاء في المدينة حتى آخر نفس من حياته وحياة أسرته ومن معه.. برغم سيف الجوع المصلت على رقابهم حتى إذا كان ذلك اليوم الذي لا ينساه الطفل فقد سلمه بعض الاسرة خمسة مجيديات حرشا ... وقال له أن يذهب صوب باب العنبرية لعله يجد أحد من يبيعون (تعييناتهم) بدراهم كثيرة فيأخذ منه بقيمة ما معه من نقود خبزا وكان هذا الخبز يومئذ أسود مخلوطا بالشعير والكرسنة والنخالة والتراب فهو لا يسمن ولا يغني من جوع.. وخرج الفتى من دارهم بالشونة بجانب السقيفة المقامة على الشارع، خرج الى ناحية باب العنبرية وحيدا يطل هنا وهنا فلا يرى مخلوقا في سائر الشوارع التي اجتازها لا عسكريا ولا مدنيا، وقد بلغ الفتى باب العنبرية فاذا كل تلك الشوارع ليس بها انيس فذعر الفتى وعاد مسرعا الى الدار يتلفت يمنة ويسرة فينقلب حسيرا من شدة الخوف من فراغ البلد من السكان وقد كان الى ما قبيل أمد مكتظا بالسكان كالرمانة المحشوة وعندما دق الباب وفتح له سقط مغشيا عليه في داخل الباب.. وقد رشوه بالماء فأفاق بعد لأي فحدثهم بما شاهد مما أطلق عليه الخوف والذعر والاستيحاش.. وعندئذ أزمع الشيخ في نفسه أمرا، فقد بلغ السيل الزبى والبقاء مع هذه الحالة تهلكة محققة ... للكبار والصغار معا.. وذهب الى صلاة الصبح بالمسجد النبوي الشريف فجاءه تلميذه (عبد الرحمن باشا) وكيل فخري باشا.. وكان عربيا من سورية ارتقى الى هذه المرتبة العالية بجده وكفاءته وكان فخري باشا يقدره ويؤثره.. وبعد أن أكمل الشيخ له درسه في القواعد امام الاسطوانة ذات النجفة الكبيرة البيضاء التي طالما درسنا أمامها فيما بعد.. حدثه عما وقع للصبى في خروجه للحصول على شيء من الخبز يسد به أهل البيت رمقهم فارتأى عبد الرحمن باشا أن لا مناص من السفر وسيهيىء أسباب الرحيل الى الفرع للشيخ وذويه.. وكان من المصادفات أن جماعة كبيرة من سكان المدينة ما بين رجال ونساء وأطفال كانت قد أزمعت هي أيضا الخروج من المدينة الى الجانب الجنوبي منها. وأحضروا لنا الجمال الهزيلة التي كنا نراها هياكل عظمية متحركة وأحضر خبز التعيينات وخرجنا من المنزل جميعا وامتطينا هذه الاشباح التي أنحلها الجوع وأضناها وذهبنا صوب الجنوب حتى إذا وصلنا الى مركز (الجليجلة) وفيه آبار معروفة بهذا الاسم الى اليوم تقع على الجانب الايسر للذاهب الى مكة.. عندئذ أنزلونا هنالك من على جمالهم وأشعرونا بأن نأخذ طريقنا الى الامام صوب الفرع.. فاستسلمنا للقدر، وسرنا على أقدامنا في طريق جبلي وعر وفي أودية ملتوية مملوءة بشوك السعدان. فمنذ أربع سنوات لم يطرقه انسان ... اللهم الا لماماً.. وفي الهزيع الاخير من الليل نزلنا بواد مملوء بأشجار السلم، وباتت كل أسرة تحت شجرة السلم المبشوث هنالك.. حتى إذا قرب الصباح نهضنا من فراشنا غير الوثير واستأنفنا الرحلة البرية الى المجهول.. وعند شروق الشمس لمح أحدنا (الياس) رحمه الله شبحين يتحركان بجانب الصخور الماثلة أمامنا على بعد.. فصرخ قائلا: أنى أرى هناك أناسا يتحركون وراء الصخور وقد صدق الواقع نبأه فبعد هنيهة خرج أعرابيان مسلحان عرفنا اسم أحدهما فيما بعد وهو (سليمان) خرجا من وراء تلك الصخور ورفع أحدهما (سليمان) بندقيته الى السماء وقال بصوت عال حازم (سلمتم.. سلمتم) كررها مرتين.. وأقبل علينا هو وصاحبه يحييان ويرحبان.. ثم ذهبا بنا الى ناحية من الوادي الذي تقع به بيوتهم الشعرية وأنزلونا ببعضها.. وكان الظمأ الكارب يكاد يقضي علينا فقد سرنا ليلة نابغية طويلة في سموم لافح، وكنا كلنا بلا ماء.. فكنا نصرخ بأعالي أصواتنا نطلب جرعة من الماء نبل بها ريقنا.. فما استجاب البداة الكرماء لا لحاحنا وصراخنا.. وكان لهم الحق.. فلو أنهم سقونا الماء البارد على ذلك الظمأ الشديد والجوع العتيد لكنا لقينا منه أذى شديدا حسب تجاربهم فبدلا من الماء أتونا بقرب كبار مملوءة بالسمن البرى ففتحنا لهم اكفنا وصبوا عليها السمن صبا متواليا وصرنا نشرب منه حتى ارتوينا.. وبعد هنيهة شبت النار في أجوافنا وازداد لهيب الظمأ بنا.. فصرنا نلح في الاستسقاء ولا من مجيب.. ثم تحركت الامعاء بفضل السمن الذي ارتوينا منه وقد نظفها من الخليط الناشب فيها مما كنا نسميه أكلا في سنى الحرب والحصار.. وبعد المغرب أقبل علينا جماعة من أولئك البادية بجفانهم المترعة باللحم والارز ووضعوها بين أيدينا فأكلنا هنيئا حتى وصل الطعام حلوقنا ثم نمنا ليلتئذ نوما مريحا هادئا وأصبحنا نشطين أحسن مما كنا قبلا وأقمنا لديهم ثلاث أيام حتى عادت الينا روح الحياة فأركبونا جمالهم السمينة النشيطة صوب الحفر حيث مكثنا هناك مدة سبعة أيام ومنها توجهنا إلى مكة المكرمة. وعندما وصلنا الى مكة كان بها صديق الخال السيد على كتبي رحمهما الله فذهب بالشيخ الى داره بالشبيكة على ما أذكر، فرتب للشيخ وأسرته منزلا كان بالقشاشية بجوار حمامها وبجوار الشيخ عبد الله خزندار الرجل الاسمر الطوال فأقمنا بمنزلنا ذلك خير مقام مدة تقرب من العام وكانت الارزاق والنقود تقدم الينا بما فيه الكفاية وزيادة.. وعلى صغر سني كنت أتجول بمكة وكان المسجد الحرام طافحا بالدروس وبالطلاب في جميع أروقته وأفنيته وبخاصة بعد العصر وبعد المغرب. وبعد مكوثنا في مكة المكرمة فترة من الزمن علمنا أن المدينة المنورة تنادينا ومن بعد عصر يوم من أيام الربيع الذي ربما كان من عام ١٣٣٩هـ امتطينا جمال قافلة من محلة القشاشية بمكة قاصدين الشمال صوب المدينة وكان المرحوم السيد علي كتبي رجلا ذا مكانة محترمة. وكان السيد يمسك بأيدينا أنا وزميلي ويطالع يمنة ويسرة والناس يقفون في أماكنهم وشوارعهم تقديرا له.. وحينما وصلنا ابواب مكة قال بصوت مرتفع: (ولا أرى جزرا) لقد كان يفتش عن مطهو الجزر اليماني المعروف ليشتري لنا منه كمية يزودنا بها فلما يئس من وجوده قال كلمته الشعرية المرتجلة، وأخرج من جيبه جنيهين انكليزيين ذهبا ونفحنا بهما هدية وتذكارا ثم ودعنا وسرنا الى المدينة. ومررنا على قرية بحرة» وكانت قرية صغيرة جدا عبارة عن بضع عشش ومسجد صغير جدا.. أمامه رجل كبير السن سوداني اسمه الشيخ (ياسين).. وعندما أشرفنا على الخبت الافيح الذي تقوم مدينة جدة في طرفه الغربي ويبتدىء من قبل جبال الرغامة حتى مدينة جدة هالتني سعته ... وامتداده وراعني انبساطه كزرابي مبثوثة.. وفي الظهر كنا بمدينة جدة الصغيرة ذات السور العتيق والمستنقعات الكبرى والرطوبة الغزيرة والدور المتلاصقة على غير نظام ... وتناولنا طعام الغداء برواق أحد مقاهيها البلدية وشربنا الشاي فيه وتوكلنا على الله الى المدينة.. ومررنا برابغ.. وكان دخولنا المدينة من ناحية قباء في ليلة قمراء ساطعة لطيفة السمات والنسمات.. وكان المزارعون بحدائقها الغناء يسوقون حيوان سوانيهم وينشطون أنفسهم بنشيد (المجرور) في أصوات رخيمة ندية متعاطفة فأعجبتني أصواتهم وقد علق بذهني من تلك الاناشيد قولهم: أقل لك يا زارع السبخة تبغي الفواكه تجي فيها فنجان شاهي مع الطبخة يسوى الصباخي بما فيها وقبيل طلوع الفجر بقليل حيث كان الهدوء مستوليا على كل شيء كان دخول قافلتنا الصغيرة الى المدينة وكانت شبه خالية من اسباب الحياة نتيجة من نتائج ما عانته من ويلات حرب عالمية ضروس رافقها حصار شديد مطبق طيلة أربعة أعوام عجاف لم تبق ولم تذر، فلقد أتت على الاخضر واليابس ولله في خلقه شؤون.